الألعاب الشعبية القروية في ضيافة الحاج أبو هاشم وزوجته

كثيرة هي الألعاب التي يستخدمها الإنسان في حياته من أجل التسلية والترفيه، أو من أجل أن يداري جسمه الذي كده تعب ساعات متواصلة في يوم شاق. واللعب الذي يمكن وصفه أنه استحقاق مرحلة من عمر الإنسان _ يمكن أن تتجسد بمرحلة الطفولة _ ويمكن أن تشمل مراحل عدة من حياة الإنسان يعتقد أنها عابرة وعفوية، لكنها في الحقيقة تمثل الأفكار والعادات، والممارسات الحياتية لكل جيل في كل بلد، لتصبح ثقافة بحد ذاتها ترسم ملامح المجتمع، وتؤرخ فتراته التاريخية، وتمثله أمام الثقافات الأخرى.

تجدر الإشارة إلى أن الموضوع سوف يلقي الضوء على طبيعة الفترة الزمنية، مقارنة بوقتنا الحالي، من خلال عرض بسيط لعدد من الألعاب القروية التي كانت سائدة في تلك الحقبة الزمنية. وليس المقصود هو إبراز كمي للألعاب .

ألعاب من نصيب الرجال

وهو جالس أمام منزله على كرسيه الخشبي، يحتسي الحاج حسين أبو هاشم 80 عاماً الشاي مستذكراً أياماً طفولية لهاها وأقرانه على طريقتهم الخاص، يقول ” كنا عندما نستيقظ في الصباح الباكر نجتمع عند أحد من أصحابنا نلهوا في ذلك اليوم بلعبة (الصبار)، حيث نقوم بتقطيع ألواح نبات الصبار إلى قطع مربعة الشكل، وبعدها نحضر عيداناً من الأشجار، ونغرسها في تلك الألواح لتصبح شكلا معينا، والذي ينهي تشكيل لوحه أولاً يستحق التصفيق من قبل الجميع ” .

ويضيف الحاج حسين ” كنت وقت الظهيرة أذهب إلى رفيقي أبو أحمد، نركب أنا وإياه على حمارنا الأبيض، محملين بالزاد والشراب ومعنا (مقليعتنا) إلى أصدقاء كانوا لنا في قرية مجاورة لقريتنا، ونلعب بها. فنضع إبريق الماء على مسافة معينة، ثم نبدأ بالتراشق عليه بمقالعنا، والذي يصيب الهدف من المرة الأولى يركب بمفرده على الحمار الأبيض، بينما يتولى أصدقاءه الآخرون مهمة توضيب الطعام للجميع “.

ولا ينسى أبو هاشم والابتسامة تملأ وجه المجعد أن يروي لنا لعبة ( البنانير/ الجلول)، والتي يصفها بكرات من الزجاج القوي صغيرة الحجم والتي يقول فيها ” كان أولاد الحي يجتمعون في منطقة تسمى المركز، ونبدأ بعلب (البنانير) على اختلاف أنواعها. فهناك لعبة تسمى المور، والدحلة، والكلكوز، والجورة وغيرها. وكل هذه الألعاب تقوم على أساس أن الذي يصيب حبات الجلول هو الذي يأخذها “

وأخرى من نصيب الإناث

وبينما يحدثنا الحاج حسين أبو هاشم عن الألعاب التي كانت في زمانه، تأتي من بعيدة زوجته الختيارة التي تتوكأ على عصاها الملتوي لتقول له ” هو انتو الرجال بس اللي كان عندكم ألعاب، تعال يا ستي بدي أخرفك شو كنا نلعب “. وبدأت الحاجة أم هاشم حديثها قائلة ” وأنا طفلة صغيرة كانت لعبتي المفضلة هي ( الحجلة ). فكنا نرسم مربعات على الأرض، ونضع في أول مربع قطعة من الحجارة، ونعمل على إزاحتها بإحدى أرجلنا،والرجل الأخرى تبقى معلقة في الهواء، والبنت التي تسقط رجلها على الأرض تخرج من اللعبة”

ولا تمل الحاجة أم هاشم 75 عاماً الحديث عن ألعباها، وما تكاد تنتهي من لعبة حتى تسارع للحديث عن التي تليها. أما لعبة ( الغميظة/الطممية ) فوصفتها بأدق تفصيلاتها ” كنا وفتيات الحارة، ونحن تقريباً في عمر 13 بعدما نستأذن من أمهاتنا الخروج للعب، نعمل حلقة دائرية ونشبك أيدينا ببعضها البعض، ومن ثم تقوم البنت الكبيرة منا، بالعد للعشرة، أو قراءة العبارة الآتية ” كاني ماني أسبرين ألمالني على أم الأخراني ” والتي يأتي ترتيبها في العد الأخيرة، تكلف بإغلاق عينيها والعد للرقم عشرة حتى تتمكن جميع الفتيات من الاختباء، حينها تبدأ هذه الفتاة بالبحث عن أخرياتها اللاتي اختبأن، وحين تجد إحداهن تقول ” جندر 1، 2، 3 وتمسي اسمها ” وتستمر على هذا الحال حتى تتمكن من إيجاد جميع الفتيات، وإذا تمكنت إحداهن من الوصول ( للمجندر )_ أي المكان الذي كانت الفتاة تعد فيه_ فإنه يتوجب عليها مرة أخرى أن تعيد العد بينما تهرب الفتيات اللاتي قبضت عليهن في المرة الأولى “

والله ما أنا داري كيف عايشين

وتلتف الحاجة أم هاشم إلى فناء منزلها، وتشير بيدها اتجاهه قائلة ” هذا المكان خرّج أجيالاً من الفتيات والفتيان، فمثل هذه الأيام كان يعج بالأطفال الذي يتجمهرون للعلب عليه، أما الآن فيبدوا خاوياً على عروشه، لا أحد يرتاده، حتى أحفادي لم يعد يلعبوا عليه مثلما كنا نحن نلعب،”

وتتساؤل في نفسها بشغف ” أين هم الآن؟ أين يكونوا يا ترى؟ إنهم بالتأكيد على هذا الجهاز الذي لا أدر ما اسمه وتعني جهاز الحاسوب، لا يملون الجلوس عليه، ولا يخرجون من خارج غرفتهم، ولا يذهبوا للعب مع أصدقائهم من الجيران، والله ما أنا داري كيف عايشين “

هذه شهادة حية للحاجة أم هاشم على أن الألعاب التي كان يمارسها آباؤنا وأجدادنا في السابق لم تعد هي نفسها التي نمارسها نحن أو أبناءنا، فهل هذا سيؤثر على مستقبل الصلات الاجتماعية، والفكرية، والأصعدة جميعها، أم أن لكل زمان ألعاب، وهذا هو استحقاق زماننا من الألعاب ؟!.

Advertisements

2 comments on “الألعاب الشعبية القروية في ضيافة الحاج أبو هاشم وزوجته

تفضـل بكتابـة رأيـك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s