جنون المواجهة

دائماً ما كان يخلج في جوفه قبل أن يردد ذلك على مسامع الآخرين، يردد دوماً أن المطر يعني له الكثير.. يعني له الأمل والفجر والحب والحرية.. يعني له السلام التسامح والرحمة والبوح.. نعم “البوح” الذي طالما اشتاق له بعد أن باتت حياته تراوح مكانها، تراوح روتين العمل الحاد والكتمان الذي بدأ يخنق روحه، ويفسد عليه لهفة الحديث لشخص يضع بوحه محلّ صون واهتمام.

لم يكن يعلم أن هذا المطر الذي احتلّ في حياته الشيء الكبير سيكون معيناً له ليس فقط على البوح وإنما على التصريح علانية من غير تردد أو خجل، بعد أن كان ذلك سمة عامة تتسم فيها علاقته.. وما كان لهذا أن يتم لولا أن سُؤل عمّا “يقول في دعائه في أجواء ماطرة باردة يهواها فؤاده”.

من غير تفكير ولا تسويل، وفي لحظات امتزجت فيها البرودة بدفء الدعاء الخالص.. وتداخلت فيها السياسية بالتاريخ وبالجغرافيا.. استلّ شجاعته وبدأ يبوح لها على أنغام كلاسيكية هطول المطر الذي يداعب بابه غرفته الخشبي، وفي صراحة ندر نظيرها في حياته.. وفي اللحظات هذه بدأت معالم الطريق ترتسم إلى ذلك الهدف المنشود.

هذا الهدف المعلن، والذي بدأ يعتمل فيها القلب، وتنشغل فيه الرّوح.. يقع ضمن أهداف ليست بالكثيرة يفني من أجلها حياته تكريساً للتزامات كان قد قطعها على ذاته من أجل تحقيقها بالشكل المطلوب، وهو في حِلّ منها إن لم تتحق.. فهو في حينها يكون قد استنفذ كل ما بوسعه، والقدر قال فيها الكلمة الفصل.

استمعتْ جيداً بينما كان مسترسلاً في تفريغ جعبته.. كان كلامه محمّلاً بمشاعر انتقلت في طبيعتها من الهمس إلى البوح.. ومن الكتمان إلى التصريح.. ومن القلب إلى القلب مباشرة من غير وسيط.. وفي موقف فريد من نوعه تناغمت فيه الرومنسية بالواقعية.. ولكن الموقف لا يعدو أن يكون أكثر من تجديد العهد، والوقوف عند الالتزمات التي قطعها على ذاتية بشكل “أحادي”.

ربما ما حدّثها به كانت تدركه بكل جوارحها.. بيد أنه كان من المهم بمكان أن يُعلن ذلك على الملأ في حرم جلستهما، وذلك حتى يرمم جرحاً كان قد نزف، ويطلق العنان لروحه لتجديد الولاء..

ورغم ما يكتنف ما اتخذه وأقدم عليه بالخطورة البالغة، والنجاح الخجول جداً، والعقبات التي اختلفت في شكلها واتحدت في مضمونها. إلا أنه كان مُصراً على إعلان الخطة والبدء في رسم أبعادها وآليات تنفيذها غير آبه بحجم المخاطرة على علمه اليقين بها.

ولأول مرة تدخل السياسية والتاريخ والجغرافيا رجحان لتوتير ما اعتزم القيام به.. إنها معادلة الزمان والمكان التي اضطر لأن يخضع لها، ولكن الإرادة هي صاحبة الموقف.. هي من تحدد بوصلة الإتجاه وتشحذ الهمم.. أما هو الآن يتكبد عناء الإنتظار.. وأي إنتظار هذا!!

الجميل هنا بل والعظيم، تلك التضيحات التي ستراق من أجل ذلك.. فالسفر بعيد والزاد لا يبلغه. فعليه أن يسقط من سلم أحلامه بضعاً، ومن ذكرياته بضعاً أخرى.. عليه أن لا يتذكر ما كان يعانيه، وعليه أيضاً أن يجعل الدافع للوصول لهدفه ما حققه فعلاً ليجعل منه سراجاً يهتدي به الطريق.. في معارك كهذه عليه أن يطمتي الحياة جيداً ليواجه أعتى وأمر المعوقات التي يمكن أن تطيح به.. تماماً لمن يمعن النظر في الزهرة ويتناسى تماماً النظر إلى الأشواك التي “تزين” غصنها، فهي أبلغ رسالة في أن الإنسان عليه أن يستعد جيداً قبل المواجهة، لأن الوصول للحلم يحتاج ويحتاج لتضيحات وتنازلات وربما تغير مسارات واتجاهات من أجل إعادة صهر المعطيات الموجودة للخروج بالنتائج الممكنة بصرف النظر عن حجم الخسائر الواقعة.. وإنه ليخالها فادحة..

ويبقى لسان الحال قائلاً: وعند الله لا تضيع الأمنيات.

Advertisements

9 تعليقات على “جنون المواجهة

  1. كلام جميل جدا خارج من خلجات القلب ( وعند الله لا تضيع الامنيات ) عبارة ولا اجمل وان شاء الله تحقق كافة امانيك بالتوفيق

  2. رائع ما خطته أناملك أخي محمد ..جنون المواجهة عنوان رائع جداً وأعجبتني الكثير من الكلمات والعبارات في المقالة ..الى الامام

  3. كلام جنوني صديقي العزيز.. وعليه أن يتحمل النتائج

    إبداع وصفي محترف

    إلى الأمام

  4. سلمت اناملك ….. بحثت عن تعليق يليق ولكن يعجز اللسان عن الوصف

    بالتوفيق

    • إذا كانت لك ذاكرة قوية … وذكريات مريرة … فأنت أشقى الناس ***الله عليك يا عمي حنحون

  5. نعم عند الله لا تضيع الأمنيات هو يؤجلها لكن لا ينساها فدقات القلب دائما تخفق بها حاملة معها أملا منسوجاً من ألم هذه الحياة لكن يبقى الأمل سراج ينير عتمة الأحزان وينشر الضحكات بين الأشجان .

    صح لسانك وسلم قلمك قرأتها مراراً وأعجبتني جداً موفق وإلى الأمام .
    فلسطين

  6. شكراً لكم جميعاً.. شكراً لك من خط تحية أو تعلقاً منكم

    أقدر وأثمن عالياً جهدكم معي.. وهذه الوقفات لن تنسى من ذاكرتي أبداً

    مع خالص محبتي وإحترامي :)

تفضـل بكتابـة رأيـك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s