فاتحـة الرّحـيل..

ليس من السهل عليّ أن أتحدث بصيغة جافة كما ستلمسون، مخالفاً بذلك فطرتي في الكتابة والتي روضتُ نفسي عليها وربما اعتاد البعض عليها إن لم يكن الجميع. وربما حان الوقت لفلسفة جديدة تتماشَ ومتغيرات حلت ضيفاً غير مرحب به، ولكن تبقى قدرتي في التكيف على ما هو جديد حجر الزواية، فإما أن أكون أو لا أكون مطلقاً.

من زمن ليس بعيداً نئيتُ بنفسي عن بعض الروتين الذي أمارسه ليل نهار، وقررت أن أجد جديداً أشعر من خلاله بإنجاز يرفع معنوياتي الخجولة، ويشق في نفسي جدار الظلمة الحالك الذي طالما أرهقني وأنا أحاول أن أبصر فيه عليّ أسترق منه الأمل الذي أنتظره منذ زمان غابر، ولكن دونما جدوى..

ومنذ ذلك الحين وأنا أدفع ضريبة استحداث المتغيرات الجديدة، ضريبة باهضة أثقلت كاهلي، وشتت مسار آمالي المتواضعة التي نسجتها بذرفات الدموع! وليس بغريب أن يتأثر محيطي الأسري والاجتماعي بذلك.. أمي وأبي وإخوتي.. أصدقائي وزملائي في العمل.. وحتى فتاة أحلامي.. كل منهم أصابتهم شظايا المتغيرات بدرجات تفاوتت مع حيّز الاستيعاب الذي أوجدوه في صدورهم اتجاهي في المرحلة التي أعيشها.

بطبيعة الحال أن أجد من أسرتي، وبالذات أمي الحبيبة تناغماً عالٍ مع ما أنا فيه.. على الرغم من أني لم أفصح لها عن شيء، إلا أنها كانت تلمس من نظرات عيوني، ومن كلامي وتصرفاتي كثيراً من انزعاجي وتوتري الخانق.. كانت تداعبني بحرارة، وترتب على رأسي، وتجاريني بطفولة حتى يُرغم الدمع لأني يخرج من مآقيه.. فأنا لا أملك طاقة على نفسي وأنا في أحضان أمي.. تستسلم جوارحي بسهولة،، وأبقى هكذا حتى أتنهد بقوة، وأندفع إلى عملي بكل حيوية وأمل.

أما الحال مع أصدقائي وزملائي في العمل فكان متشابهاً تماماً،، أصدقائي المقربون حاولوا تلمس حالي والتخفيف عني وأبدوا استعداداً للمساعدة بأشكالها المختلفة، ومنهم من نفر مني مخاطباً نفسه بعبارة «اللي فيني مكفيني»، والغالبية العظمى وقف موقف المتفرج.. فمثل هؤلاء وجودهم كغثاء السيل، سرعان ما يحزموا أمتعتهم ويرحلوا من غير سابق إنذار، فالمصحلة المغلقة كانت شعاراً واضحاً، حيث أنهم أنهوا علاقتهم معي عند المطب الأول في حياتي.. فلعلي كنت محظوظاً بالزوبعة التي مررت وأمر بها.. فقد كُشف الستار عنهم، وأصبحت في حل من أمري في علاقتي بهم.

أستطيع القول أنه لم يهمني كثيراً تلك الشخصيات التي فضلت الرحيل على أن تقف بجانبي، أو تلك التي بقت متفرجة على مسلسل الأحداث التي أمر بها والتي تتلهف لحلقة النهاية حينما ينتصر فيها البطل على الأشرار.. وفي الوقت ذاته أشكر كل من أسرّ الدعاء لي، أو عرض المساعدة من غير مقابل..

ولكن عزائي على من إدّعو القرب مني، ووعدوني بالموت مفرّقاً.. وكانت أمانيهم تنحصر فيّ فقط.. أقف اليوم حائراً قلقاً منهم مخاطباً نفسي: كيف كان لهؤلاء أن يحتلوا «الفردوس» في قلبي، وهم من تخلوا سريعاً عن محاولة فك العقدة أو التكيف مع درجة التأزم في حدث كانوا فيها شريكاً!! إنهم وأدوا الجنين وهو في مخاضه، ولم ينتظروا لحين إنجابه!

إنّ فعلتهم تلك كانت «القشة التي قسمت ظهر البعير»، فلو أنهم وقفوا جانباً لحين أن أنتهي من مصارعة ما أن فيه ومن ثم عادوا إلى مشاطرة الحلم الخاص بهم معي لكان الأمر هيّناً.. فهم لم يقدموا المساعدة، ولم ينتظروني أخرج من مصابي!!

ومع كل ذلك، يصر قلبي الجريح أن يثبت صدق رسالته، ويخبرهم أن حلمهم كان على سلم أولوياتي، ولم يكن وهماً أو مجرد دغدغة للمشاعر أو العواطف.. فرسائل التودد والاعتذار بصورها المختلفة لم تجدِ نفعاً معهم.. وحينما شعرت أن الأمر باتت محل «كرامة» ستهدر، وأن رسائلي لم تزدهم إلا تعنّتاً على أخطائهم،، أسرجت قنديلي وفضلت الوحدة على أنغام الرحيل على «مضض اللاعودة».. فكثرة الأعذار والاتهامات التي انهالت علي، والمزاودة في الحساب الرياضي للتضحيات قرأتْ الفاتحة بشكل مختلف عما يجب أن تُقرأ عليه. 

Advertisements

14 تعليقات على “فاتحـة الرّحـيل..

  1. الخاطرة حلو.. هلأ إذا كان كلامك من الخيال فلا بأس به، ولكن إن كان تجربة ذاتية.. ففتاة أحلامك معاكي الحق،، وأنا عنها بحكي وبتستاهل اللي صار معك
    الصراحة ما بتزعل بتوقع
    يعني على ما يبدو إنتي ما أحسنت القيادة :(

  2. يسلمو ايديك عالمقال الرائع …بس العنوان مؤثرشوي واخذ مني وقفه صغيرة وبعدها كملت الموضوع للنهاية..

  3. صديقي العزيز .. محمد مرشد .. لاجل الصداقة اللتي بيننا ولانني اريد لك البقاء والثبات ولانني ارفض كل اشكال الرحيل دعني ان اطلق عليها واسميها فاتحة الطريق .. التي تنطلق منها بعمق التجربة والتطلع الى المستقبل ، معانقا بخطواتك عنان الامل .. لبناء جسور العزة التي بنيتها بكد وتعب ..متجاوزا كل العقبات والعراقيل .لاثبات الذات الايجابي ..واللذي جاء بفعل السهروالمثابرة ، وليس على حساب الانتهازية كما يفعل الجبناء ..وعليه فانت الواثق والباشق .. سر على بركة الله ورعايته ..وكل احترام لما قلت وكتبت . والى الامام واليك كل الدعم والمساندة .

  4. كل عام وانت بخير صديقي الصحفي محمد مرشد,وانا لا اخفي اعجابي بملكة الكتابة الحرفية التي تتحلى بها.وبالمشاعر الفياضة التي تقطر بها فقرات مقالتك الجميلة,ليس من باب المجاملة وانما تقديرا لشيء جميل موجود.ونحن اذ نبدي بعض الملاحظات لا من باب الانتقاص لا سمح الله.بل من زاوية محاولتنا في اغناء الموضوع.ومهما تكن وجهة نظر الناقد فهي ليست قدرا محتوما.اذ ربما لديك فكرة لم تتبادر لنا جميعا.وتكون انت في المكان الصحيح ونكون نحن في زاوية عدم الاحاطة بالفكرة والموضوع. فاتحة الرحيل…يا صديقي امتلأ تاريخنا الحديث بانواع الرحيل حتى بات التذكير به اشجانا تثار وغصة في القلب لا تزول.وقلوبنا المفطورة باتت بامس الحاجة الى بوادر العودة وفاتحة الرجوع.الا اذا كنت تقصد الرحيل من الرحيل, في رحلة العودة الى كل شيء,الى نفوسنا وبلادنا حيث تطيب العودة والعود احمد, كل التقدير لكلماتك العذبة ولمدونتك ان تكبر دون ان تقيدها حدود.

  5. جميل ومثير للشجن وحزين المشاعر … أتمنى لك أعمالا كتابية رائعة تتحفنا بها في كل مرة

  6. كل انسان يمر بفتره لا يطيق مكالمه أحد..لا يجاوب الا بكلمه..ينجرح على شيء تافه..حساس جدا عيناه تذرف في أي وقت فاللنفس افاقا ووديان..
    لا تحاول تظلم حد أو تجرحه بكلامك ولازم تلتمس أعذار للناس دايما زي ما هي أكيد التمستلك عذر وانت بهيك حاله “التمس لأخيك سبعين عذرا فان لم تجد فالتمس لنفسك عذرا واحدا”
    وما بصير نعتبر كل مرحله صعبه منواجهها بحياتنا مهما كانت فترتها هي بدايه رحيل بالعكس هي فتره راحه وتفكير وتأمل واصلاح الذات
    فتره صعبه بس أكيد طلعت منها بنتائج وكانت السبب في تحقيق انجازات كبيره..ان بعد الضيق الفرج والأمل دائما موجود :)

    لا تكثر من الشكوى يأتيك الهم..ولكن أكثر من الحمد لله تأتيك السعاده ^_^

  7. الكتابه وطريقه التعبير عن المرحله والفكره رائعه ..ان شاء الله الايام الجايه بنقرا عن مراحل سعيده ونجاحات تحققت بحياتك

تفضـل بكتابـة رأيـك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s