الحاجة نظيرة العطاونه.. حينما يغترب الأحرار في وطنهم

كتب محمد مرشد:

في رابع أيام الشهر المبارك، وفي بُعدٍ عن الماضي بكل تفاصيله.. الأهل والأحبة والزوج وربما الوطن، وفي حضرة ليلة الغياب وهي تحتضر تلك التفاصيل وحيدة بلا يدٍ تربّت، ولا عين تذرف، ولا قلب يبكي.. كم كان رحيلها هادئاً مريحاً لها ولمن حولها، وكأنها تقول ويبقى الخروج بصمت الأجملَ دائماً“.

Nazera

كم كنتُ متعطّشاً لأن أشاركها لحظات الرحيل بعد 85 عاماً من الحياة والعطاء، لأقف على ما تشتهي من اللحظات بأنواعها، الباكية والمؤلمة والفرحة.. ولأرى أيّ نهاية لها اختارت.

أنظر إليها خلسة عَلِّ أسترق جزءً من شريط العمر الذي يمر أمام عينيها وهي تحتضر الساعات الأخيرة.. تجاعيد وجهها ويديها توثق تاريخ فلسطين وترسم مراحله في فصول، أما عينيها اللامعتين فقد شقّت في خدها مجرىً لا ينضب دمعه، حينما ثكلت أبناءها وقدّمتهم أرواحاً رخيصة للوطن في انتفاضة الحجارة الأولى.

الحاجة والأم الغالية، نظيرة علي حسين عطاونه، ترحل عن الدنيا بلا أخٍ مودع ولا ابنة ملهوفة على فراقها، ولكن حسبها أنها وجدت من يقول لها أمي، ويسهر على رعايتها ليل نهار أيّما سهر، ويعتني بها كالطفل المدلل.

تعود فصول حكاية الحاجة نظيرة عطاونه، إلى منتصف الثمانينات حينما أُرغمت على ترك مدينة غزة الحبيبة، بعدما أجرم الاحتلال الإسرائيلي بحق شعبنا هناك في انتفاضة الحجارة، وقد بكت عائلتها دماً وبيتها حرقة وألماً، وكان لا مفرّ لها إلا أن تعلن الرحيل إلى شقّ الوطن الآخر، إلى الضفة الغربية، وتحديداً في مدينة قلقيلية.

وهناك، لم تنقذها أنوثتها الشابة، ولا الغالي والنفيس الذي قدّمته للوطن، أن تُكَرّم كالأحرار.. بل ضاقت عليها الأرض بما رحبت باحثةً عن قوت يومها بين الأزقة والحارات، تستَجْدِ عطف الناس وتسألهم ما عندهم.. أما الليل فيرخى سدوله على استحياء، وكأنه يقدّم اعتذاراً عن اجحاف البشر وتصلب قلوبهم ومشاعرهم.

إيه أماه، إذن، كنتِ تفترشين الأرض وتلتحفين السماء!! أوليس كذلك؟؟ ويبقى الحال قائماً إلى أن تدخلت الجهات الرسمية وأهل الخير والإحسان ليؤمّنوا لها بيتاً مستأجراً، ليقيها حر الصيف وبرد الشتاء.

دارت السنون وتشابهت الأحداث والمواقف، إلى أن وصلت الحاجة نظيرة إلى مرحلةٍ فارقةٍ في حياتها، حيث أصابها كسر في فخدها، وعلى إثرها تم نقلها للعلاج في إحدى مستشفيات مدينة قلقيلية، حيث تم وضع (البلاتين) في فخذها برعاية من المحافظة هناك.

وحينما تماثلت للشفاء، أبى الزمن أن يعيدها خطوة إلى الوراء، فالآن غير قادرة على الحركة ولا خدمة نفسها، فاتجهت الأنظار صوب جمعية بيت المسنين الخيرية في جنين، لاحتضانها ورعايتها.

وفي بيت المسنين في جنين، كانت تعيش الفصل الأخير من حياتها، ولا أغالي إن قلت الأجمل فيها.. نعم إنه الأجمل! فمن التقى بالحاجة نظيرة لحظة نزولها الجمعية، والتقى بها أخرى يلحظ الفرق.. لقد أصبحت نظيرة صحابة الثغر الجميل، والعين الفرحة، واليد الدافئة.. لقد أصبحت مطيعة وحليمة، كالطفل الصغير تماماً.

لله دركم أيها العاملون أيها المربّون في هذه الجمعية.. لقد وجدتْ فيكم أبناءً بارّين، تَصِلون الليل بالنهار، لقاء راحتها فقط، وراحة كافة نزلاء الجمعية.

وفوق ذلك كله، كانت الرّيبة تخيم عليّ! لقد شعرت أن المشهد الجميل هذا هو القفلة في الحكاية.. وفعلاً، لم تمضِ أيام معدودة حتى أمستْ من غير استئذان، سلّمت أمانتها لله القهار، واعتصر رحيلها قلب كل من جالسها وتحدث معها.

أمي الحاجة نظيرة عطاونه، يا توتة الدار صبرك على الزمان لو جار،، نامي بعزٍّ في تراب جنين الغالي، وقرّي عيناً يا غالية.. وليسامحنا الوطن بترابه وسمائه على ما اقترفت أيدينا، وحسبك الله مكرِماً ومنصِفاً.

رحمك الله، وأسكنك فسيح جنانه.

 

 

Advertisements

One comment on “الحاجة نظيرة العطاونه.. حينما يغترب الأحرار في وطنهم

تفضـل بكتابـة رأيـك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s